صديق الحسيني القنوجي البخاري

19

فتح البيان في مقاصد القرآن

الوارثين لكونه عاصبا محجوبا أو لكونه من ذوي الأرحام وَ كذا الْيَتامى وَالْمَساكِينُ من الأجانب ، وإنما قدم اليتامى لشدة ضعفهم وحاجتهم فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ شرع اللّه سبحانه أنهم إذا حضروا قسمة التركة كان لهم منه رزق فيرضخ لهم المتقاسمون شيئا منها قبل القسمة . وقد ذهب قول إلى أن الآية محكمة وأن الأمر للندب ، وذهب آخرون إلى أنها منسوخة بقوله تعالى : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [ النساء : 11 ] والأول أرجح لأن المذكور في الآية للقرابة غير الوارثين ليس هو من جملة الميراث حتى يقال إنها منسوخة بآية المواريث ، إلا أنه إن قيل : إن أولي القربى المذكورين هنا هم الوارثين كان للنسخ وجه . وقالت طائفة إن هذا الرضخ لغير الوارث من القرابة واجب بمقدار ما تطيب به أنفس الورثة . وهو معنى الأمر الحقيقي فلا يصار إلى الندب إلا لقرينة ، والضمير في قوله : مِنْهُ راجع إلى المال المقسوم المدلول عليه بالقسمة ، وقيل راجع إلى ما ترك ؛ وهذا خطاب للورثة الكاملين . وَ قوله : قُولُوا خطاب لأولياء اليتامى إذا كان الورثة صغارا لَهُمْ أي للأصناف ثلاثة قَوْلًا مَعْرُوفاً وهو القول الجميل الذي ليس فيه منّ بما صار إليهم من الرضخ ولا أذى . أو أن يعتذروا إليهم عن عدم الإعطاء أصلا ، وعن ابن عباس قال : هي محكمة وليست بمنسوخة وقد قضى بها أبو موسى . وقال مجاهد : هي واجبة على أهل الميراث ما طابت به أنفسهم ، وكذا قال الحسن والزهري ، وقال ابن عباس : يرضخ لهم ، فإن كان في ماله تقصير اعتذر إليهم فهو قوله : قَوْلًا مَعْرُوفاً وعن عائشة أنها لم تنسخ ولكن تهاون الناس في العمل بها ، وعن سعيد بن المسيب قال : هي منسوخة أي بآية الميراث ، وعن سعيد بن جبير قال : إن كانوا كبارا يرضخوا ، وإن كانوا صغارا اعتذروا إليهم . وَلْيَخْشَ أي ليخف على اليتامى الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا أي قاربوا أن يتركوا مِنْ خَلْفِهِمْ أي بعد موتهم ذُرِّيَّةً ضِعافاً أولادا صغارا خافُوا عَلَيْهِمْ الفقر والضياع ، وهذا الخطاب للأوصياء كما ذهب إليه طائفة من المفسرين ، وفيه وعظ لهم بأن يفعلوا باليتامى الذين في حجورهم ما يحبون أن يفعل بأولادهم من بعدهم . وبعضهم جعل الخطاب لمن حضر المريض من العواد عند الإيصاء وإليه ذهب البيضاوي ؛ أو أمر للورثة بالشفقة على من حضر القسمة من ضعفاء الأقارب واليتامى والمساكين متصورين أنهم لو كانوا أولادهم بقوا خلفهم ضعافا مثلهم هل يجوزون حرمانهم ، أو أمر للمؤمنين بأن ينظروا للورثة فلا يسرفوا في الوصية ، والأول أولى .